الخميس، أغسطس 28، 2008




أكلت يوم أكل الثور الأبيض


قراءة تاريخية معاصرة لأحداث المائة السادسة













- توطئة:


بسم الله الرحمن الرحيم







أنا هنا لا ولن أحلل هذه الأحداث السياسية العظمى التي عصفت بأقطار إسلامية عربية كانت أو أعجمية،ولكني اطلب ممن يقرأ هذه الأسطر أن لايخرج منها بتعب ناظرين وظياع وقت، فكلي أمل بقارئ حذق، مستنير الفكر رجاعاً له، يستنبط الأسباب والمسببات التي أدت إلى وقوع هذه الكارثة، فيخلص إلى النتائج وماكان وسيكون،




والله تعالى أعلم.







سعد العشيرة














أكلت يوم أكل الثور الأبيض


أما حديثنا هنا هو تذكير بالدروس والعبر لمن أغفل تاريخ التتر وقصتهم مع الأمة الإسلامية وما جروه من ويلات على هذه الأمة التي لا تستفيد من تاريخها كثيراً سوى التدوين والمفاخرة، وتغض الطرف تسهيةً عن مآسيها وهزائمها،


وها أنا في هذا المقام أسرد عبرة من العبر وصفعة من الصفعات المؤلمة التي تركت أثرها على وجه التاريخ الإسلامي، وكم من الصفعات قد تحملتها هذه الأمة دون استرجاع أو تأوه، فصبر جميل والله المستعان،


قصتنا تبدأ هنا في خضم أحداث المائة السادسة من الهجرة النبوية، بين ملكين هما ملك الدولة الخوارزمية الإسلامية خوارزم شاه وملك التتار جنكيز خان

فقد كان خوارزم شاه ملكاً مشتهراً بالعدل وبحبه للعلم ومجالسة أهله، كان ذكياً وقَّاد الذكاء من صغره، استطاع أن يتدرج في المناصب حتى ظفر بالملك كأعلى منصب سياسي واجتماعي.

خوارزم شاه بدأت قصته مع التتار عندما أخذت تترامى أطراف مملكته وتقوى شوكته ويقتطع البلدان من الجسد العباسي حتى عزم على غزوهم في عاصمتهم بغداد أيام الخليفة الناصر، ولكن كفَّ عن ذلك لشواغل وموانع قيدت تحركه نحو العراق.

-في المقابل لنفوذ هذا الملك، كانت هناك مملكة أخرى يحكمها ( جنكيز خان ) وهي مملكة التتار، التي كانت قد سيرت الجيوش لاحتلال بلدان الصين شرقاً وغرباً، فكانت بحق قوتان عظيمتان يرقب كل ملك عليها تحركات الآخر.





على إثر ذلك قرر زعيم التتار جنكيز خان أن يصانع خوارزم شاه ويسايسه كفاية للشر، فأرسل إليه يخبره عن إعجابه بقوة سلطانه ويمتدح اتساع ملكه وتباعد أركانه، ويوحي إليه: أن ملك التتار ليس بعيداً عن هذا بل أن لديهم الخيرات من ذهب وكنوز وأن أرضهم معطاءة، ودعاه إلى عقد تعاون اقتصادي تجاري وتطبيع علاقات على أعلى المستويات وأن يسيروا الوفود والزيارات،

فوافق هنا خوارزم شاه على هذا العرض، فصانا بذلك الملك والأرض، وعُقِدَ الصلح والإتفاق، على أن لا شقاق.

مرت الأيام والليال، والأمور على هذا الحال، وللحاكم خوارزم شاه –خال- قد ولاه المناطق القريبة للتتار، على إقليم يقال له (أوترار).






وفي إحدى المرات، أرسل جنكيز خان بعض التجار، إلى بلاد الملك خوارزم، ليشتروا له الكسوة واللوازم، وعندما أتموا المهمة، راجعين إلى بلادهم عبر أرض أو ترار، استوقفهم حاكم الإقليم، وراسل الملك خوارزم، وطمَّعه فيما عندهم من خيرات،

وقال: لربما هم جواسيس!

فعلام يأمن عندنا الخسيس؟

فأمر الملك بقتلهم، وأن تغنم أموالهم، ويباع حملهم، ويساق الثمن غلى خزينة الملك، فبئس الفعل مافعلوا.

فقد بلغ الأمر جنكيز خان، فأرسل رسلاً يذكرونهم بالعهدوالميثاق، ويبينوا لهم شناعة هذا الفعل، وأن على خوارزم شاه أن يسلِّم حاكم أوترار، وإلا فسيأتي بجيش جرار، لينتقم لهؤلاء التجار.

فقتل خوارزم الرسول، وحلق روس ولحى الوفد المرسول،فانتهت بذلك كل الحلول.






ندم خوارزم شاه على هذا الفعل، وخاف من المعاملة بمثل المثل، فحرك
جيشه نحو التتار، وجنكيز خان قد جهز جيشاً جبَّار، ليغزو المسلمين طالباً للثأر،

فالتقى الجيشان، وحدثت مقتلة عظيمة الشأن، زلقت فليها الخيول من دماء الفرسان.





استحرَّ القتال بينهم ثلاثة أيام، حتى قتل عشرون ألفاً من بني الإسلام، فولَّى خوارزم شاه ومنمعه الأدبار، إلى أن وصلوا بخارى، فترك جنده في حصنها محتمين، وكي يكونوا على البلدة حامين، ثم ذهب ببقية من بقية إلى سمرقند، ليجيش الجيوش ويجمع الحشود.

أما جنكيز خان قد جهز على الفور سرية -المغربة- وهي سرية خاصة، مهمتها البحث عن خوارزم شاه ومطاردة فلوله،



وجلَّ الجيش استرهب به أهل بخارى، فاستسلم خلق من عسكر القلعة رغبة في الامان، فأعطاهم حتى وصلوا إليه، ليحدث قتل وذبح فظيع فيهم، وأهل بخارى لايعلمون بحالهم، يظنون أن من وصلهم قد أمن عندهم، فطلبوا الأمان مثلهم،فشرط لهم جنكيز خان على ذلك ( أن يخلوا الطريق إلى باقي العسكر في الحصن، وأن يعينوه على ردم الخندق المحيط به ) فاستجابوا إلى أهون الهوان، وردموا الخندق بكل شيء حتى بالمنابر وحوامل القرآن، فاقتحم التتار الحصن وأبادوا الفرسان،





ثم التف جنكيز خان على أهل بخارى، فاسترهبهم أيما استرهاب، وليذيع صيته في البلدان، فأجرى حثالته السيوف في المسلمين، وانتهكوا أعراضهم، فلم يفرقوا بين صغير وكبير، ذكر أو أنثى، وأسروا منهم خلقاً كثيراً، ليكونوا لهم دروعاً عند اللقاء،
ثم ساقوهم إلى سمرقند، ليلاحقوا خوارزم شاه الذي غادرها أصلاً إلى خراسان هرباً،فكان كل أسير يتثاقل في المشي يقتل، حتى وصلوا إلى أطراف سمرقند،


فأعطوا كل عشرة أسارى علماً، فظن بهم أهل سمرقند ظن السوء، وأنهم مشاة جيش جنكيزخان،










وانبرى شجعان سمرقند لصدهم، فالتحموا واستحر القتل بينهم، حتى مات كل من خرج من أهل القرية للقتال، فبلغ عددهم سبعون ألف رجال، رحمهم الرب المتعال،

أما خوارزم شاه فقد طال به الهرب، وأخذ في إعيائه التعب، ما الأمر إلا كحلم في منام، أوحقيقة مرة الآلام، والمصاب أسرع من أن تستدركه العقول، وأمضى من أن تناط به حلول.




وأما أهل سمرقند فقد نادى جيش الفجار عليهم: أن سلِّموا المدينة، فأرواحكم بأيدينا رهينة، فإنلم تفعلوا فستقتلون، وحالهم { من لم يكن معنا فهو ضدنا } فما كان من أهل سمرقند إلاّ أن استجاروا من الرمضاء بالنار، فاستسلموا وأسلموا الدار، فدخل الطغاة إلى سمرقند وافتظوا الأبكار، وقتلوا الصغار والكبار، وعذبوا البقية بالحديد والنار، وكل ذلك عقوبة لمن ساند الإرهاب،


ومازال جنكيز خان يبحث عن خوارزم شاه ومن بقي معه، فأفنوا لذلك الناس، وأحرقوا الدور والمساجد ونهبوا الأسواق حتى غدت سمرقند وكأنها لم تغن بالأمس.






وفي هذه الأحداث ومرارتها وصلت السرية الخاصة بمطاردة الرجل الأول على قائمة جنكيز خان إلى غرب خراسان، والأوامر لديهم { اطلبوا خوارزم شاه أين كان، ولو تعلق بالسماء }


أين المفر ولا مفر لهاربٍ .... ولنا البسيطان الثرى والماء




فوصلوا إلى أرض ذات أنهار ثلاثة، فاحتالوا عليها بالتكتيك العسكري المحكم،





إذ صنعوا أحواضاً من الأخشاب وألبسوها جلود الأبقار، لئلا يدخلها الماء، ووضعوا فيها سلاحهم وأمتعتهم، ثم ألقوا الخيل في الماء وأمسكوا أذنابها،
والأحواض مشدودة إليهم، والكل طافٍ فوق الماء حتى وصلوا كلهم
فصاروا هم وخوارزم شاه على أرض واحدة،

ولكن الله سلَّم،

مات خوارزم شاه بمرض أصابه قبل أن يقدروا عليه،

وقد تمزق سلطانه،

بجريرة أحد أمراءه،

وتسرع آراءه.





























هناك تعليقان (2):

ع ـتبات الامل يقول...

قد اكل ثورهم قبلنا ولاكن نهضوا للعوده


فهل نستطيع النهوض مره اخرى؟؟

صاحب ورقات يقول...

تحية طيبة لك يا أخ برق الظلام صاحب مدونة عتبات الأمل.


أخي:
قال المستورد القرشي، عند عمرو بن العاص‏:‏

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏"‏تقوم الساعة والروم أكثر الناس‏"‏‏.‏ فقال له عمرو‏:‏ أبصر ما تقول‏.‏ قال‏:‏ أقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال‏:‏ لئن قلت ذلك، إن فيهم لخصالا أربعا‏:‏ إنهم لأحلم الناس عند فتنة‏.‏ وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة‏.‏ وأوشكهم كرة بعد فرة‏.‏ وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف‏.‏ وخامسة حسنة وجميلة‏:‏ وأمنعهم من ظلم الملوك‏.‏

أخي نستطيع النهوض ولو من تحت الرماد فالمتابع للتاريخ يجد أنهم ليسوا هم فقط من يستطيع النهوض وإنما خصال وجدت فيهم ودلالات مفادها أنهم لأجل حقدهم ورفضهم لمبدأ الهزيمة فإنهم لايتوانون عن القايام ومحاولة العودة على ماكانوا عليه، وهذا أمر جيد بالنسبة لهم سيء علينا في نفس الوقت، ولكن المسلمون يمرون بحالات تذبذب منذ القدم وهذه هي أقدار الله فينا، وهذا من دفع الناس بعضهم ببعض كما أخبر سبحانه، مابين عقوبة علينا عند التراخي وإفلات مقومات النصر والتمكين وإغفال البواعث إليها ومابين انتصارات وفتوحات ميدانية أم على مستوى نشر الدين، وكما هو معلوم أنه لاتصيبنا مصية إلا بما كسبت أنفسنا تحقياً لوعد الله لذا كان الرجوع إليه والعمل بما دل عليه فعلاً أو تركاً، وإرساء قواعد العدل ورد الجور والظلم، وتحيق الشورى خير سبيل إلى هذا النهوض.

سعد العشيرة